إخوان الصفاء
46
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
اللّه تعالى فيها بأن يهتمّ ويعتني بها غاية العناية ، ولا يخلّ بهذه الوصاية ، ويتلطّف في استعمالها وإيصالها ، تلطف الأخ الشقيق ، والأب الشفيق ، والوادّ الصديق ، والطيّب الرفيق ، بعد بذل وسعه ، واستفراغ جهده في توخّي القصد وتحرّي الصواب في بذله شيئا بعد شيء لمن رآه شديد الحاجة اليه ، عظيم الحرص عليه ، كثير الرغبة فيه ، بعد أن اختبرهم واستبرأهم « 1 » ، واستكشف حالهم ، فمن أنس منه رشدا ، ورجا فيه خيرا ، ممن أقصى مناه خلاص روحه ، ونجاة نفسه ، وجعل سعيه فيما يرجع إلى ذاته ، وإلى ما هو سبب حياته ، يزهد في أعراض الدنيا ، ويرغب فيما هو خير وأبقى ، لا يكذب نفسه « 2 » ، ولا يسامحها ، بل يصدقها صدقا ، ويجد حزما ، ويعلم حقّا « أن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وان سعيه سوف يرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى ، وان إلى ربّك المنتهى . » دفعها اليه رسالة رسالة على الولاء شبيه الغذاء والتربية والنماء ، وكالدواء للصحة والشّفاء ، والكحل والجلاء « 3 » لتقوية البصر والضياء ، ما يقرب من فهمه ، ويليق بمحله ، من علمه ، ويستصلحه لمثله ، قدر ما يغذيه ويربيه ويصحه ويشفيه بل يبصّره ويهديه ويشدّه ويقوّيه أولا فأولا ، على الترتيب المبيّن في الفهرست ، حتى إذا ما تمكنت الحكمة من نفسه ، وأنست به ، وتصوّرت عنده ، واستقرّ في خلده وقوي فيه وتحقق بفكره معانيه ، طلب عند ذلك الكلّ بشدّة حرص وانشراح صدر ، وغاية رغبة ، وخلوص نيّة ، وقوّة عزيمة ، وفضل معرفة ، وزيادة يقين ، وصحة بصيرة ، فحصّلها وعمل بها ، واستحقّ بعد النظر فيهن ، والوقوف على جمل معانيهن ، النظر في الرسالة الجامعة ، التي هي نهاية المراد ، ونزهة المرتاد ، والفوز في المعاش والمعاد . لأن بهن التوصّل إليها ، وبفهمهن الوقوف عليها . فمن وفّقه اللّه لذلك ، ويسرّه ، فقد هداه من الحيرة ، وأحياه
--> ( 1 ) استبرأهم : طلب آخرهم ليقطع الشبهة عنه . ( 2 ) يكذب نفسه : يحدثها بالأماني البعيدة التي لا يبلغها وسعه ومقدرته . ( 3 ) الجلاء : الكحل ، أو كحل خاص .